ابن كثير

383

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير )

هريرة : الخلاق : الدين " وخضتم كالذي خاضوا " قالوا يا رسول الله كما صنعت فارس والروم ؟ قال فهل الناس إلا هم ؟ وهذا الحديث له شاهد في الصحيح . ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم قوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم وأصحاب مدين والمؤتفكات أتتهم بالبينات فما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون ( 70 ) يقول تعالى واعظا لهؤلاء المنافقين المكذبين للرسل " ألم يأتهم نبأ الذين من قبلهم " أي ألم تخبروا خبر من كان قبلكم من الأمم المكذبة للرسل " قوم نوح " وما أصابهم من الغرق العام لجميع أهل الأرض إلا من آمن بعبده ورسوله نوح عليه السلام " وعاد " كيف أهلكوا بالريح العقيم لما كذبوا هودا عليه السلام " وثمود " كيف أخذتهم الصيحة لما كذبوا صالحا عليه السلام وعقروا الناقة " وقوم إبراهيم " كيف نصره الله عليهم وأيده بالمعجزات الظاهرة عليهم وأهلك ملكهم نمروذ بن كنعان بن كوش الكنعاني لعنه الله " وأصحاب مدين " وهم قوم شعيب عليه السلام وكيف أصابتهم الرجفة وعذاب يوم الظلة " والمؤتفكات " قوم لوط وقد كانوا يسكنون في مدائن وقال في الآية الأخرى " والمؤتفكة أهوى " أي الأمة المؤتفكة وقيل أم قراهم وهي سدوم والغرض أن الله تعالى أهلكهم عن آخرهم بتكذيبهم نبي الله لوطا عليه السلام وإتيانهم الفاحشة التي لم يسبقهم بها أحد من العالمين " أتتهم رسلهم بالبينات " أي بالحجج والدلائل القاطعات " فما كان الله ليظلمهم " أي بإهلاكه إياهم لأنه أقام عليهم الحجة بإرسال الرسل وإزاحة العلل " ولكن كانوا أنفسهم يظلمون " أي بتكذيبهم الرسل ومخالفتهم الحق فصاروا إلى ما صاروا إليه من العذاب والدمار . والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة ويطيعون الله ورسوله أولئك سيرحمهم الله إن الله عزيز حكيم ( 71 ) لما ذكر تعالى صفات المنافقين الذميمة عطف بذكر صفات المؤمنين المحمودة فقال " والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض " أي يتناصرون ويتعاضدون كما جاء في الصحيح " المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا " وشبك بين أصابعه وفي الصحيح أيضا " مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر " وقوله " يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر " كقوله تعالى " ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر " الآية . وقوله " ويقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة " أي يطيعون الله ويحسنون إلى خلقه " ويطيعون الله ورسوله " أي فيما أمر وترك ما عنه زجر " أولئك سيرحمهم الله " من اتصف بهذه الصفات " إن الله عزيز " أي يعز من أطاعه فإن العزة لله ولرسوله وللمؤمنين " حكيم " في قسمته هذه الصفات لهؤلاء وتخصيصه المنافقين بصفاتهم المتقدمة فإن له الحكمة في جميع ما يفعله تبارك وتعالى . وعد الله المؤمنين والمؤمنات جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها ومساكن طيبة في جنات عدن ورضوان من الله أكبر ذلك هو الفوز العظيم ( 72 ) يخبر تعالى بما أعده للمؤمنين به والمؤمنات من الخيرات والنعيم المقيم في " جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها " أي ماكثين فيها أبدا " ومساكن طيبة " أي حسنة البناء طيبة القرار كما جاء في الصحيحين من حديث أبي عمران الجوني عن أبي بكر بن أبي موسى عبد الله بن قيس الأشعري عن أبيه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم